الشيخ مرتضى الحائري
55
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يحصل القطع بعدم الإرادة اللبّيّة الفعليّة ، فبالاستصحاب يحكم بعدم الجعل وعدم الإرادة اللبّيّة . قلت أوّلًا : إنّ التلازم بين عدم الجعل وعدم الإرادة اللبّيّة ممنوع ، إذ من الممكن عدم المصلحة في الجعل وكونُ الإرادة اللبّيّة بمرتبة لو علم بها المكلّف لصارت منجّزةً وكانت تامّةً من حيث البعث ، لا من جهة الجعل والجهل المسبّب عنه أو عن غيره . وثانياً : على تقدير تسلّم التلازم يكون من باب ترتّب الجعل على الإرادة اللبّيّة لا العكس ، فالجعل أثر ومعلول للإرادة اللبّيّة من دون أن تكون الإرادة اللبّيّة معلولةً للجعل ، فبالجعل ينكشف وجود الإرادة اللبّيّة بسبب يعلمه اللَّه تعالى ، وبعدم الجعل ينكشف عدمها من باب أنّ عدم المعلول يكشف عن عدم علّته ، ومن المعلوم أنّ مقتضى الاستصحاب ترتيب الأثر الشرعيّ لا ما هو ملازم له بواسطة أمر تكوينيّ ، فتأمّل حتّى تعرف حقيقة الأمر . هذا كلّه الكلام في الأحكام التكليفيّة . وأمّا الأحكام الوضعيّة فإن قلنا : إنّها منتزعة من التكليف وليست مستقلّةً في الجعل فحكمها حكمه . وأمّا إن قلنا بكونها مستقلّةً في الجعل ففيها تفصيل ، لأنّه : إمّا أن يكون ممّا له أمد ويرتفع بارتفاع أمده ، كالحجّيّة المجعولة لفتوى المجتهد ، فإنّ المتيقّن جعلها بالنسبة إلى حال الحياة ، وأمّا بالنسبة إلى حال موته فجعلها مشكوك مسبوق بالعدم فالظاهر فيه جريان استصحاب عدم الجعل ويترتّب على عدم الجعل عدم المجعول ، ويكون حاكماً على استصحاب بقاء حجّيّة فتواه خارجاً ، لأنّ استصحاب عدم الجعل يرفع الشكّ عن نفسه وعن المجعول ، بخلاف استصحاب بقاء المجعول فإنّه لا يرفع الشكّ عن الجعل ، فإنّ المجعول متفرّع على الجعل لا العكس . إن قلت : ترتّب المجعول على الجعل ليس شرعيّاً . قلت : بل هو شرعيّ ، لأنّ منشأ ذلك كلّه بيد الجاعل ، فإنّه لولا الجعل لَما كان